نصر حامد أبو زيد

46

الاتجاه العقلي في التفسير

يكن أثرا من آثار الفكر الأجنبي فحسب ، ذلك أن القول بقدرة الانسان على الفعل والاختيار ومسئوليته عن هذا الفعل يتضمن بالضرورة اعترافا بوجود قوة مميّزة لدى الانسان تدفعه للاختيار بين الممكنات المختلفة ، ومن ثم تحدد مسئوليته عن اختياره . والقرآن الكريم نفسه قد أعلى من شأن العقل وجعله مناط المسؤولية الانسانية ، وذمّ أولئك الذين لا يعقلون ولا يفقهون . ولقد احتفت الأوساط الدينية الاسلامية منذ أوائل القرن الثاني الهجري وأواخر القرن الأول بحديث يعلي من شأن العقل ويجعله أول المخلوقات وأكرمها على اللّه « أول ما خلق اللّه العقل . فقال له : أقبل ، فأقبل . ثم قال له : أدبر ، فأدبر . ثم قال اللّه عزّ وجلّ : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك ، بك آخذ ، وبك أعطي ، وبك أثيب وبك أعاقب » . وبصرف النظر عن المعاني التي حملها هذا الحديث بعد ذلك 3 فإن الذي يهمنا من الاستشهاد به هو بيان مدى احتفاء كافة الفرق والاتجاهات الاسلامية بالعقل وإن اختلفت في تحديد مدى نشاطه وميادينه . وثم عامل هام له أثره في تمجيد المعتزلة لشأن العقل ، واعتبار المعرفة هي أساس التمايز بين البشر بدلا من عوامل العرق والنسب والوراثة . ونعني بذلك العامل تلك العصبية البغيضة التي بدأت بوادرها في أواخر العصر الأموي - مقارنة لنشأة الاعتزال تقريبا - والتي وصلت أقصى درجات تطرفها في العصر العباسي « فقد كانت القومية الفارسية تعتبر نفسها ندّا للقومية العربية منذ آخر عهد الأمويين ، مما مهّد لنصرها بقيام الخلافة العباسية على أكتافها » 4 وبالتالي ازدادت المشكلة حدة ، خصوصا في عهد المأمون الذي أعطى للعنصر الفارسي سيادة مطلقة في شؤون الحكم والدولة . وإذا كان الفرس يفخرون على العرب بحضارتهم وفلسفتهم وتراثهم الفكري ، ويتهمونهم بأنهم شعب بدوي لا تسنده حضارة أو فلسفة ، ومن ناحية أخرى إذا كان العرب يفخرون على الفرس بأنهم أشرف الأمم لأن التنزيل إليهم نزل ، ومنهم النبي . . . الخ ، كل ذلك مما نجده مبثوثا في كتب الجاحظ ورسائله . إذا كان الأمر كذلك ، فقد كان من الطبيعي أن يحاول المعتزلة أن يقفوا من هذا الصراع موقفا يتسم بالتعقل . ويعدّ الاعلاء من شأن العقل والمعرفة محاولة لرفع التفاخر بالأنساب والعصبيات والأجناس ، ورد قيمة الانسان - اجتماعيا ودينيا - إلى قيمة يتساوى الناس في ملكيتهم لها ، وإن اختلفوا تبعا لمدى استخدامهم لها . ولا يجب - في هذا الصدد - أن ننسى أن كبار رجال المعتزلة ورؤساءهم كانوا من الموالي « فواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مؤسسا المذهب والمعروفان بالتقوى والصلاح كانا من الموالي ، وأبو الهذيل العلاف شيخ معتزلة البصرة من موالي عبد القيس ، وإبراهيم بن سيّار النظّام - أستاذ الجاحظ - بصري